محمد متولي الشعراوي
5893
تفسير الشعراوى
ولكن هذا الاستمتاع في النهاية لا يعطى أمرا زائدا عن المقدور لكل جنس ؛ ولذلك تجد أن كل من يعمل بالسحر وتسخير الجن إنما يعاني ؛ مصداقا لقول الحق سبحانه : فَزادُوهُمْ رَهَقاً . . ( 6 ) [ الجن ] وأنت تجد رزق الذي يقوم بالسحر أو تسخير الجن يأتي من يد من لا يعلم السحر ، ولو كان في تعلّم ذلك ميزة فوق البشر ؛ لجعل رزقه من مصدر آخر غير من لا يعلمون السحر أو تسخير الجن . وأنت حين ترى الواحد من هؤلاء ، تجد على ملامحه غبرة ، وفي ذريته آفة أو عيبا ، فمنهم من هو أعور أو أكتع « 1 » أو أعرج ؛ لأنه أراد أن يأخذ فرصة في الحياة أكثر من غيره من البشر ؛ بواسطة الجن ، وهذه الفرصة تزيده رهقا ؛ ولذلك فليلزم كل إنسان أدبه وقدره الذي شاءه اللّه - سبحانه وتعالى - له ؛ فلا يفكر في أخذ فرصة تزيد من رهقه . ونحن نرى في البشر من يستخدم صاحب القوة الجسدية أو قدرة تصويب السلاح ؛ ليرهب غيره ، وقد ينجح في ذلك مرة أو أكثر ، ثم ينقلب هذا ( الفتوّة ) أو ذلك القاتل المأجور على من استأجره . إذن : فلا بد أن يحترم كل إنسان قدر اللّه - سبحانه وتعالى - في نفسه ، وألّا يأخذ فرصة من جنس آخر ؛ يظن أنها تزيده في دنياه شيئا ، لكنها في الواقع ستزيده تعبا وتزيده رهقا . ولذلك نجد الحق - سبحانه وتعالى - يقول عنهم : رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ « 2 » . . ( 128 ) [ الأنعام ]
--> ( 1 ) الأكتع : من رجعت أصابعه إلى كفّه ، وظهرت مفاصل أصول أصابعه . و « أكتع » يجئ في التوكيد اتباعا ، فيقال : جاء الجيش أجمع أكتع . [ المعجم الوسيط : مادة ( كتع ) ] . ( 2 ) المثوى : مكان الإقامة والاستقرار . والجمع : المثاوى . قال تعالى : وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ( 151 ) [ آل عمران ] [ اللسان : مادة ( ثوى ) ] .